ابن أبي الحديد

68

شرح نهج البلاغة

لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما ، وأي حاجة إلى هذا التقدير الطريف الذي لا يشعر الكلام به ، ومراده عليه السلام ظاهر ، وهو أن نعمة جلت لكثرتها أن يحصيها عاد ما ، هو نفي لمطلق العادين من غير تعرض لعاد مخصوص . * * * قال الراوندي : فأما قوله : " لا يدركه بعد الهمم " ، فالادراك هو الرؤية والنيل والإصابة ، ومعنى الكلام : الحمد لله الذي ليس بجسم ولا عرض ، إذ لو كان أحدهما لرآه الراؤون إذا أصابوه ، وأنما خص " بعد الهمم " بإسناد نفي الادراك " وغوص الفطن " بإسناد نفي النيل لغرض صحيح ، وذلك أن الثنوية ( 1 ) يقولون بقدم النور والظلمة ، ويثبتون النور جهة العلو ، والظلمة جهة السفل ، ويقولون : إن العالم ممتزج منهما ، فرد عليه السلام عليهم بما معناه : إن النور والظلمة جسمان ، والأجسام محدثة ، والبارئ تعالى قديم . * * * ولقائل أن يقول : إنه لم يجر للرؤية ذكر في الكلام ، لأنه عليه السلام لم يقل : الذي لا تدركه العيون ولا الحواس ، وإنما قال : " لا يدركه بعد الهمم " ، وهذا يدل على أنه إنما أراد أن العقول لا تحيط بكنهه وحقيقته . وأيضا فلو سلمنا أنه إنما نفى الرؤية ، لكان لمحاج أن يحاجه فيقول له : هب أن الامر كما تزعم ، ألست تريد بيان الامر الذي لأجله خصص بعد الهمم بنفي الادراك ، وخصص غوص الفطن بنفي النيل ! وقلت : إنما قسم هذا التقسيم لغرض صحيح ، وما رأيناك أوضحت هذا الغرض ، وإنما حكيت مذهب الثنوية ، وليس يدل مذهبهم على وجوب تخصيص بعد الهمم بنفي الادراك دون نفي النيل ، ولا يوجب تخصيص غوص الفطن

--> ( 1 ) الثنوية : هم أصحاب الاثنين الأزليين ، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان . الشهرستاني 1 : 224